أنا‭ ‬وبيروت

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 01 أيلول 16 0 دقائق للقراءة
أنا‭ ‬وبيروت
هنا‭ ‬في‭ ‬لبنان‭: ‬البيوت،‭ ‬القصور،‭ ‬الشوارع،‭ ‬الأبنية،‭ ‬البلدات،‭ ‬والمدن،‭ ‬كلها‭ ‬تحمل‭ ‬ندوب‭ ‬الحرب،‭ ‬ذلك‭ ‬الإرث‭ ‬الحزين‭ ‬الذي‭ ‬تخلّفه‭ ‬الحروب‭ ‬الأهلية‭ ‬الطاحنة‭.‬
مرّ‭ ‬على‭ ‬وجودي‭ ‬هنا‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭. ‬السنة‭ ‬الأولى‭ ‬قضيتها‭ ‬في‭ ‬بلدة‭ ‬عاليه‭ ‬الجبلية‭.‬
وقضيت‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬في‭ ‬بلدة‭ ‬بحمدون‭.‬
وصلت‭ ‬لبنان،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أحدّد‭ ‬وجهتي‭. ‬معظم‭ ‬زملائي‭ ‬من‭ ‬الكتّاب،‭ ‬قدموا‭ ‬طلبات‭ ‬اللجوء‭ ‬السياسي‭ ‬لأجل‭ ‬بلوغ‭ ‬أوروبا‭.‬
الفكرة‭ ‬بحدّ‭ ‬ذاتها‭ ‬كانت‭ ‬مرعبة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلي‭. ‬لا‭ ‬يمكنني‭ ‬أن‭ ‬ابتعد‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬دمشق،‭ ‬لهذا‭ ‬استقر‭ ‬بي‭ ‬المقام‭ ‬في‭ ‬لبنان‭. ‬ربما‭ ‬اخترت‭ ‬عاليه‭ ‬لمدة‭ ‬عام،‭ ‬لقربها‭ ‬من‭ ‬خط‭ ‬الشام‭. ‬يكفيني‭ ‬أن‭ ‬أرى‭ ‬السيارات‭ ‬السورية‭ ‬على‭ ‬الطريق‭ ‬الرئيسية،‭ ‬حيث‭ ‬تطمئنني‭ ‬تلك‭ ‬اللافتة‭ ‬الخلفية‭ ‬في‭ ‬بدن‭ ‬السيارة‭ ‬وقد‭ ‬كُتب‭ ‬عليها‭ ‬‮«‬دمشق‮»‬‭.‬
مرّ‭ ‬العام‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أزاول‭ ‬أي‭ ‬نشاط‭ ‬غير‭ ‬المشي،‭ ‬والكتابة‭. ‬أستغلّ‭ ‬النهارات‭ ‬المشمسة‭ ‬في‭ ‬شتاء‭ ‬عاليه‭ ‬القاسي،‭ ‬لأقطع‭ ‬تلك‭ ‬الدروب‭ ‬المظلّلة‭ ‬بالأشجار‭ ‬العتيقة‭ ‬والمعمّرة،‭ ‬الأشجار‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬حرباً‭ ‬قذرة‭ ‬تشبه‭ ‬الحرب‭ ‬البشعة‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬رحاها‭ ‬في‭ ‬وطني‭ ‬‮«‬سورية‮»‬‭.‬
خرجت‭ ‬من‭ ‬وطني،‭ ‬حزينة،‭ ‬ومشوّشة،‭ ‬وشبه‭ ‬ضائعة،‭ ‬أنقذني‭ ‬المشي‭ ‬اليومي‭ ‬من‭ ‬الانهيار‭. ‬خلال‭ ‬رحلاتي‭ ‬اليومية،‭ ‬استوقفتني‭ ‬تلك‭ ‬القصور‭ ‬الجميلة‭ ‬المهجورة،‭ ‬والمتآكلة‭ ‬بالرصاص،‭ ‬كانت‭ ‬بقايا‭ ‬مؤسفة‭ ‬لجمالها‭ ‬الرائع‭ ‬الذي‭ ‬كان‭. ‬بعض‭ ‬القصور‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬ملامح‭ ‬جمالها‭ ‬السالف،‭ ‬لكنها‭ ‬ظلّت‭ ‬مهجورة‭ ‬ومهملة،‭ ‬ربما‭ ‬لأن‭ ‬أهلها‭ ‬ماتوا،‭ ‬أو‭ ‬هاجروا‭ ‬واختاروا‭ ‬وطناً‭ ‬بديلاً؟
قبل‭ ‬الأحداث‭ ‬المأساوية‭ ‬في‭ ‬وطني‭ ‬كنت‭ ‬أعتقد‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬عليّ‭ ‬اختيار‭ ‬وطن‭ ‬بديل‭. ‬لاحقاً‭ ‬عندما‭ ‬غادرت‭ ‬هرباً‭ ‬من‭ ‬الموت‭ ‬المحتمل،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أمامي‭ ‬خيارات‭ ‬كثيرة‭ ‬غير‭ ‬الركون‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬ما،‭ ‬واعتباره‭ ‬بمثابة‭ ‬وطن‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬مؤقتاً‭. ‬
عندما‭ ‬قررت‭ ‬السكن‭ ‬في‭ ‬بيروت،‭ ‬اخترت‭ ‬شارع‭ ‬‮«‬بليس‮»‬،‭ ‬لأكون‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬الكتب،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أمامي‭ ‬غير‭ ‬مكتبة‭ ‬الجامعة‭ ‬الأميركية‭. ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬كنت‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬شارع‭ ‬الحمراء‭. ‬أردت‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬مدينة‭ ‬بيروت‭ ‬من‭ ‬‮«‬القلب‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬منطقة‭ ‬راس‭ ‬بيروت‭ ‬العريقة،‭ ‬وجادات‭ ‬الحمراء‭ ‬التي‭ ‬تضج‭ ‬بالمقاهي‭ ‬والمطاعم‭ ‬والبارات،‭ ‬القريبة‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬البحر‭. ‬البحر‭ ‬الذي‭ ‬عرفته‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬كتبته‭ ‬غادة‭ ‬السمان‭. ‬الأديبة‭ ‬السورية‭ ‬التي‭ ‬عاشت‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬في‭ ‬سنين‭ ‬عزّها‭ ‬وألقها،‭ ‬ثم‭ ‬شهدت‭ ‬الحرب‭ ‬الطاحنة‭ ‬التي‭ ‬دمرّت‭ ‬المدينة‭.‬
غدوت‭ ‬الآن،‭ ‬أعرف‭ ‬مدينة‭ ‬بيروت‭ ‬ومحيطها‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬جيّد‭ ‬وكاف‭.‬
تشقيني‭ ‬مشاهد‭ ‬أبناء‭ ‬وطني‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬بيروت،‭ ‬وهم‭ ‬يعيشون‭ ‬معاناتهم‭ ‬اليومية‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬لقمة‭ ‬العيش‭.‬
حالما‭ ‬نغادر‭ ‬الوطن‭ ‬نكتشف‭ ‬المأزق‭ ‬الذي‭ ‬سنحياه‭ ‬دائماً‭ ‬مع‭ ‬أزمة‭ ‬الأوراق‭ ‬الثبوتيّة‭.‬
غدونا‭ ‬نحمل‭ ‬جواز‭ ‬سفر‭ ‬معطوباً،‭ ‬لا‭ ‬يؤهلنا‭ ‬السفر‭ ‬إلى‭ ‬أيّة‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭. ‬
وكأن‭ ‬‮«‬الموت‮»‬‭ ‬هو‭ ‬الشيء‭ ‬الوحيد‭ ‬المتاح‭ ‬للسوري‭. ‬
على‭ ‬مدى‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭ ‬ودّعتُ‭ ‬عدداً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬الذين‭ ‬مروا‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬بطريقهم‭ ‬إلى‭ ‬تركيا‭ ‬حيث‭ ‬زوارق‭ ‬الموت‭ ‬بانتظارهم‭! ‬من‭ ‬يلومهم؟‭ ‬الموت‭ ‬والفقر‭ ‬حاصرا‭ ‬معظمهم،‭ ‬منازلهم‭ ‬دُمرت،‭ ‬فضّلوا‭ ‬المغامرة‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬البحر‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬مخيمات‭ ‬النزوح‭ ‬المُذلّة‭.‬
لا‭ ‬تمر‭ ‬ليلة،‭ ‬لا‭ ‬تمر‭ ‬ليلة‭ ‬إلاّ‭ ‬وتصلني‭ ‬رسالة‭ ‬تذمّر‭ ‬مليئة‭ ‬بالكآبة‭ ‬والحزن‭ ‬والتأسف‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أحد‭ ‬أصدقائي‭ ‬الذين‭ ‬اصبحوا‭ ‬في‭ ‬المهجر‭.‬
من‭ ‬قال‭ ‬إننا‭ ‬نحن‭ ‬السوريين‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نستبدل‭ ‬أوطاننا‭ ‬بغابات‭ ‬ألمانيا‭ ‬وأن‭ ‬نلتقط‭ ‬صوراً‭ ‬مع‭ ‬البط‭ ‬الذي‭ ‬يسبح‭ ‬في‭ ‬أنهارها‭.‬
لا‭ ‬أحد‭ ‬يريد‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬وطنه،‭ ‬لكنه‭ ‬الموت،‭ ‬كان‭ ‬سبباً‭ ‬وجيهاً‭ ‬للمغادرة‭. ‬عندما‭ ‬تنعدم‭ ‬الخيارات‭ ‬وتُدمَّر‭ ‬مدن‭ ‬بأكملها،‭ ‬وتُحكم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أشكال‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬الاستبداد،‭ ‬لعل‭ ‬أكثرها‭ ‬وحشيّة‭ ‬هو‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬داعش‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬فاق‭ ‬توحّشه‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬التوحّش‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث‭.‬
رغم‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬سأختم‭ ‬مقالتي‭ ‬هذه‭ ‬بكلمة‭ ‬واحدة‭: ‬‮«‬الأمل‮»‬،‭ ‬إنه‭ ‬الفسحة‭ ‬التي‭ ‬تلهمنا‭ ‬الصبر‭ ‬والتفاؤل‭ ‬بضوء‭ ‬آخر‭ ‬النفق‭.‬
A+
A-
share
أيلول 2016
أنظر أيضا
01 أيلول 2016
01 أيلول 2016
01 أيلول 2016
01 أيلول 2016
تحميل المزيد