عودة‭ ‬التراجيديا

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 01 أيلول 16 0 دقائق للقراءة
عودة‭ ‬التراجيديا
يبدو‭ ‬أن‭ ‬أزمة‭ ‬اللاجئين‭ ‬السوريين‭ ‬تحرّك‭ ‬أسوأ‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الجنس‭ ‬البشري‭. ‬فكل‭ ‬شيء‭ ‬يشير،‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬إلى‭ ‬أنهم‭ ‬يتحوّلون،‭ ‬تدريجياً‭ ‬ولكن‭ ‬بخطى‭ ‬ثابتة،‭ ‬إلى‭ ‬الضحية‭ ‬المثاليّة،‭ ‬وإلى‭ ‬كبش‭ ‬المحرقة‭ ‬المرجو‭ ‬لطرد‭ ‬كل‭ ‬الشرور‭ ‬التي‭ ‬ولّدتها‭ ‬العولمة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬الشرقية‭ ‬منها‭ ‬والغربية‭.‬
وأمام‭ ‬وضع‭ ‬مماثل،‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬عدم‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬الأكاديمي‭ ‬الراحل‭ ‬رينيه‭ ‬جيرار‭ ‬في‭ ‬أسطورة‭ ‬أوديب‭ ‬عند‭ ‬الإغريق‭ ‬أو‭ ‬أسطورة‭ ‬‮«‬ميلوماكي‮»‬‭ ‬في‭ ‬قبيلة‭ ‬هنود‭ ‬‮«‬ياهونا‮»‬‭: ‬فالشخصيتان‭ ‬الأسطوريتان‭ ‬تتعرّضان‭ ‬للاضطهاد‭ ‬وتُدانان‭ ‬نتيجة‭ ‬لحشد‭ ‬الأوبئة‭ ‬التي‭ ‬تتفشّى‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬مجتمعاتهم‭. ‬فهما‭ ‬يُعتبران‭ ‬الغريبين‭ ‬اللذين‭ ‬تسبّبا‭ ‬بتصدّع‭ ‬النظام‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والمجتمعي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬سائداً‭ ‬قبلاً‭.‬
فمنذ‭ ‬بداية‭ ‬المأساة‭ ‬السورية‭ ‬واللاجئون‭ ‬يُنظر‭ ‬إليهم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬المضيفة‭ ‬وكأنهم‭ ‬الآفة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬أصل‭ ‬المصائب‭ ‬كلها‭. ‬وغنيّ‭ ‬عن‭ ‬القول،‭ ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬القلق‭ ‬الوجودي‭ ‬الذي‭ ‬يرافق‭ ‬أزمة‭ ‬الهوية‭ ‬التي‭ ‬تنشأ‭ ‬مع‭ ‬وصول‭ ‬الآخر،‭ ‬هذا‭ ‬الآخر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يشبهنا،‭ ‬يُستغلّ‭ ‬اليوم‭ ‬بالكامل‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬بعض‭ ‬التيّارات‭ ‬السياسية‭ ‬وبعض‭ ‬المسؤولين‭ ‬الذين‭ ‬بنوا‭ ‬شهرتهم‭ ‬التجارية‭ ‬الإنتخابية‭ ‬على‭ ‬التعصّب‭ ‬والكراهية‭ ‬وجعلوهما‭ ‬قاعدةً‭ ‬لخطابهم‭ ‬الشعبوي،‭ ‬ولم‭ ‬يُستثنَ‭ ‬لبنان‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬النزعة‭.‬
لم‭ ‬تكن‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الغرائز‭ ‬البدائية‭ ‬بهذه‭ ‬القوة‭ ‬يوماً،‭ ‬فالعالم‭ ‬بأكمله‭ ‬تنتزعه‭ ‬تشنّجات‭ ‬مروّعة‭ ‬في‭ ‬الهوية‭. ‬ولم‭ ‬يأتِ‭ ‬الجدل‭ ‬الأخير‭ ‬حول‭ ‬لباس‭ ‬السباحة‭ ‬‮«‬البوركيني‮»‬‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬إلاّ‭ ‬ليُبلور‭ ‬هذا‭ ‬الذعر‭ ‬الذي‭ ‬تعتريه‭ ‬المخاوف‭ ‬والإرتجافات‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الشرور‭ ‬التي‭ ‬نفثها‭ ‬صندوق‭ ‬باندورا‭ ‬للهوية‭ ‬الذي‭ ‬أطلقته‭ ‬الأزمة‭ ‬السورية‭ ‬والهجرة‭ ‬الجماعية‭ ‬للاجئين‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬عموماً‭. ‬فيجد‭ ‬العالم‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬عميقة‭ ‬وجوهرية‭ ‬تتعلّق‭ ‬بالمقاييس‭. ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬يوماً‭ ‬التقدم‭ ‬المُحرز‭ ‬نحو‭ ‬شمولية‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬أنقاض‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬1945‭ ‬والذي‭ ‬ساد‭ ‬العالم‭ ‬منذ‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬بهذه‭ ‬الهشاشة‭ ‬وهذا‭ ‬الضعف‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الآن‭ ‬مع‭ ‬عجز‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬عن‭ ‬وضع‭ ‬حدّ‭ ‬لأعمال‭ ‬العنف‭ ‬التي‭ ‬تفتك‭ ‬بالأراضي‭ ‬السورية‭.‬
ورقعة‭ ‬المظالم‭ ‬هذه‭ ‬التي‭ ‬يتصادم‭ ‬فيها‭ ‬أقصى‭ ‬أقطاب‭ ‬التطرّف،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬رقعة‭. ‬فالعنف‭ ‬والتطرّف‭ ‬تفشّيا‭ ‬تفشياً‭ ‬واسعاً؛‭ ‬والأورام‭ ‬التي‭ ‬ولدت‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬واستُنسخت‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬تُحدث‭ ‬اليوم‭ ‬ردّة‭ ‬فعل‭ ‬تحاكي‭ ‬التطرّف،‭ ‬وهو‭ ‬الاسم‭ ‬الآخر‭ ‬لأزمة‭ ‬الهوية،‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬أجمع‭.‬
والعولمة‭ ‬تحتضر‭ ‬أمام‭ ‬أعيننا‭ ‬وتعاني‭ ‬نوبات‭ ‬تشنّج‭ ‬حادة‭ ‬ودموية‭. ‬‮«‬نهاية‭ ‬التاريخ‮»‬‭ ‬المزعومة‭ ‬والتي‭ ‬تنبّأ‭ ‬بها‭ ‬فرانسيس‭ ‬فوكوياما‭ ‬متفائلاً‭ ‬مع‭ ‬نهاية‭ ‬القطبية‭ ‬الثنائية‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬التسعينيات،‭ ‬تعيش‭ ‬اليوم‭ ‬الفصل‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬تاريخها‭. ‬ومما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تصميم‭.‬
لكن‭ ‬من‭ ‬فضلكم‭ ‬دعونا‭ ‬نتجنّب‭ ‬اضطهاد‭ ‬السوريين‭ ‬الأبرياء‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬الإجماع‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المجتمع‭ ‬مهدّداً‭ ‬والوحدة‭ ‬متصدّعة،‭ ‬لن‭ ‬يُعاد‭ ‬بناؤهما‭ ‬بالضرورة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬ضحايا‭ ‬استرضائيّة‭. ‬فهذا‭ ‬لا‭ ‬محال‭ ‬يمهّد‭ ‬الطريق‭ ‬لمآسٍ‭ ‬جديدة‭ ‬كنّا‭ ‬نعتقد‭ ‬أنّ‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬قد‭ ‬ابتلعها‭.‬
A+
A-
share
أيلول 2016
أنظر أيضا
01 أيلول 2016
01 أيلول 2016
01 أيلول 2016
01 أيلول 2016
تحميل المزيد